فن

مسلسل «Adolescence»: محاكمة تدين الدافع لا القاتل

أحدث إنتاجات نتفليكس الناجحة بـ24 مليون مشاهدة في 4 أيام.. في عالم يُحاكم القاتل، يطرح المسلسل سؤالًا جريئًا: ماذا لو كانت الجريمة في الدافع، لا في الفاعل؟

future الملصق الدعائي لمسلسل «Adolescence»

في كتابها «Collapse Feminism» تتحدّث أليس كابيل عن ظهور شَكل جديد من أشكال الإرشاد الذكوري، يستتر خطابه في صيغة تنمية ذاتية، قادمة لانتشال الرجال الذين تٌرِكوا في الخلف، بمنحهم تمائم جديدة لتأطير أزمتهم و مَنطقَتها. تستحضر كابيل مقطعًا من مقابلة لجوردان بي بيترسون يجهش خلالها بالبكاء حين وصف مُحاوره بييرز مورغان الرجال العازبين قسرًا (Incels) بالحقراء الوحيدين، يجيبه بيترسون مدافعًا «من المفترض أن يكون للمهمّشين صوت».

تتساءل كابيل هنا: «لكن كيف يُصدَر هذا الصوت؟». يحضر بيترسون كمسيح مخلّص يقود المهمشين والمراهقين نحو نجاتهم، لكنها ليست بنجاة إنسانية، إنما جندرية، قوامها رجال عُمِّدوا من جديد، وعادوا لرجولتهم الأولى.

تفكّر أليس كابيل أن التنمية الذاتية هنا تقوم مقام حصان طروادة، يمكن بعده تشكيل كاتالوج صارم للرّجولة، يتّبعه الرجال لأجل أن لا يُطرَدوا خارج تعريفاتها. يعتبر بيترسون مفاهيم كالغضب والعُنف أصيلة في الوجود الرجولي، لا يجب الانسلاخ منها إنّما ترويضها، لأنها وللمفارقة - حسب بيترسون - صحية للمجتمع، «أن تكون قادرًا على القسوة ثم لا تكون، أفضل من أن لا تكون قادرًا منذ البداية»، ودور أشخاص مثله إرشاد المراهقين نحو تفريغ عقلاني لتلك الاندفاعات. تحوّل هاته التنظيرات في وجدان مراهقين بؤساء العنف الرجولي لنزوات بيولوجية مألوفة و اعتيادية حدّ أنها تعبر عن تحقيق المرء لرجولته.

يبدو بيترسون كاستعادة لحركة الرجال الميثوبوتيكية (mythopoetic men's movements) التي ظهرت في تسعينيات القرن الماضي كردّ فعل لأزمة الذكورة الحديثة، لإعادة الاتصال برجولة قديمة فُقِدت من واقع معاصر. تصنع الميديا الحالية مفاهيم جديدة لتعزيز نهضة ذكورية معاصرة، كالحبّة الحمراء التي تحمل دلالة الاستيقاظ نحو الواقع من وهم المصفوفة في فيلم «The Matrix»، والحبّة السّوداء وهي الاعتناق الأخير البائس لمصير العازب قسرًا، أنه وحيد وغير مرغوب فيه.

كلا الإقرارين يصنعان مراهقًا دائم القلق والتشكّك حول مدى اتساقه مع الكاتالوج الرجولي، ومعاداةً مزاحة عن مكانها، تنصّب غضب المراهقين تجاه عدو أنثوي مستفزة انتقائيته.

يُمكن بعد هاتين الخاصيتين الخلوص لنتائج مروّعة وأزمات اجتماعية يصعب احتواءها.

عام 2023 يجلس رجل يُدعى ستيفن غراهام على كنبته، يقرأ تقريرًا في الجريدة حول مراهق يَقتل طَعنًا مراهقة. بعدها بأشهر معدودة سيشاهد غراهام نفس الخبر حاصلًا في الطرف الآخر من البلاد. بدا لستيفن غراهام أن الحادثة تحولت لوضع شامل تجاوز موطأ جغرافيًا وزمانيًا معيّن، كأن العالم انطوى في مشهد واحد، مراهق وسكّين، ومراهقة انرمت طريحة في دمائها أمامه.

على مدار أيام بعدها لم يشغل خاطر غراهام غير تساؤل واحد، «ماذا يحصل؟ ماذا يحدث في المجتمع أن يرغب مراهق أو يحتاج لقتل فتاة». تنامى التساؤل ليصير موضوع مسلسل يشاركه الكتابة فيه جاك ثورن، فيما سيتحوّل بعدها لآخر إنتاجات نتفليكس الناجحة، بما يقارب 24 مليون مشاهدة في خلال 4 أيام فقط، «مراهقة Adolescence».

عالقون في لقطة واحدة

يبدأ «Adolescence» بمشهد غارة بوليسية على منزل عائلة، اقتحام شديد الصرامة، يمرّر على شدّته تكهّنًا بخطورة هدفه، لذلك نرتعد حين يتبدّى أمامنا المشتبه به، جيمي ميلر، طفل مراهق مرتبك يُبلّل نفسه حين يُخبَر أنه متّهم بجريمة قتل. يُؤخذ بجيمي باكيًا لمخفر التحقيق، ليَجد نفسه عالقًا في سلسلة إجراءات بيروقراطية لا يفهمها. يبدو الأمر برمّته خطأً ضخمًا غير مفهوم، طفل ابتُلِع في عالم أكبر منه، كادر صارخ بحقيقة واحدة، جيمي لا يملك مقومات اقتراف القتل.

أوين كوبر القائم بدور جيمي ميلر في مشهد من مسلسل «Adolescence» (وهو لا يملك أي أعمال تمثيلية سابقة)

يختار ستيفن غراهام لنَقل قصته إلى الشاشة، التّصوير بلقطة واحدة دون قطع مرئي، تتحرك الكاميرا كأنها عيون فضولية حائرة، تتلصص الأماكن بحثًا عن الإجابات. لا يمتلك المشاهد هنا عين الإله، إنما مُراقب عالق بقدر شخوص الحكاية، لا وقت ليرتدّ إلى كرسيه و يفكر أنه في معزل عن أحداثها، كأنها تجتره ليحمل قدْرَه من مسؤولية الحاصل، مسؤولية لا يعلم موضوعها بعد. يبدو الممثل أوين كوبر طِفلًا متورطًا في مشهد مطوّل يصعب لقدراته مجاراته بقدر شخصيته المتورطة في عباءة قاتل لا تناسب سنّه.

ما وراء كواليس صناعة المسلسل ☝️

تعبّر العائلة في حضورها عن تسليم مُطلق ببراءة جيمي، لا بدّ من وجود خطأ ما، انفلات أرعن قاد الشرطة لغير هدفها، يوم مشؤوم سينتهي، ما بعده أثاث محطّم سيُعوّض، وطفل صادق ستُثبت براءته.

تؤطّر مشاهد الـClose Up على وجه الأب مأساة موقعه من الحكاية، كحارس عاجز أُسِرت غريزة حمايته الأبوية، يأكله عجزه أمام طفله وقد انتُهكت خصوصيته الجسدية. يلتمس طمأنة أخيرة نجدها حين يسأل ابنه أن ينظر إليه ويخبره أنه لم يفعلها، في أعين أب يحمل عبء الحدث مضاعفًا، كان إنكار جيمي قشّة مغرية التصديق، كافية للخلوص للفكرة ذاتها، عائلة متورطة في كادر خاطئ لا يناسبها.

ستيفن جراهام في دور إيدي ميلر في مشهد من مسلسل «Adolescence»

تمثل أحداث المخفر كاملة بيت وَرق ضخم بُنِي بعناية لنقل استحالة أن يكون الطفل جيمي قاتلًا أو عائلته عائلة مجرم، كل إنكار لفظه لا يحتمل التكذيب.. ثم تسجيل فيديو واحد، وخبا بيت الورق، وتمكنت الاستحالة، جيمي يطارد فتاة، ثم يطعنها سبع طعنات، يرتجف الأب وقد تبدّى أمامه ابنه قاتلًا.

ينتهي فصل هوية الفاعل، ويبدأ بعده موضوع المسلسل والتساؤل الذي أراد غراهام وثورن مطاردته منذ البداية، «لماذا فعلتها؟»، يبكي الأب ويحضن ابنه، ولا زال جيمي يُكرّر الإجابة نفسها: «لم أفعلها».

أندرو تيت كـ«Father figure»

في مقال بعنوان «parenthood exposes capitalism's amorality» يفكر ديفيد لوغنوت أن الرأسمالية صنعت امتدادًا نَفعيًا لقيمة الأدوار الاجتماعية، تؤطّره بمعيار مادي، أي كلما تنامى مردودها المالي تعالى شأنها وقيمتها، وبذلك تضاءلت إن قلّ عائدها الاقتصادي. يحوّل هذا الرابط الأبوة والأمومة لأدوار فرعية وجانبية، أقرب ما يكون لهواية تُمارَس وقت الفراغ، دور لا يعدو كونه إضافة حسنة لا يصنع غيابها أو تقصيرها أزمة بقدر تغيّب عامل أو موظف عن عمله.

يخلق ذلك خانات جوفاء، أدوار فارغة تنتظر تعميرها، مراهقون ضائعون دون مرشد محبّ ليعيد تركيب العالم لهم في صياغة أكثر لطفًا ورحمة.

يعرّف القاموس النفسي لجامعة علم النفس الأمريكي مصطلح الشخصية الأبوية (Father Figure) ببديل الأب البيولوجي الذي يقوم بوظائفه كمثال يتطلّع له الطفل ويصوغ هويّته وفقًا له. ما يحرّك الطفل هنا فراغ الأب البيولوجي، لذلك ما يبحث عنه ليس اصطناع أب محبّ ورحيم أو البحث عنه، إنما سد الثغرات وإيجاد الإجابات، التطلع للشخص القادر على تأطير أزمة المراهق ومَنطَقتِها، وَضعها في قالب كوني يشاركه فيه كثيرون، ويسمح بالنجاة.

تدور أحداث الحلقة الثانية في مدرسة جيمي، لا يدّخر غراهام وثورن جهدًا في التقاط مدى اضطراب مؤسسة التعليم، فجوة عملاقة بين جيل المعلّمين وتلاميذهم، لم يسبق مثيلها في التاريخ، جيل غاضب ومتمرد، امتلك العالم بين أيديه منذ صباه، مختزلًا في قطعة إلكترونية تمرّر العالم بحُسنه ومساوئه كوابل جارف دون فلتر عقلاني أو رقابة تؤطّره.

يرى المحقّق باسكومب مجتمعًا همجيًا خاليًا من الإجابات، يحمل قُبح المستقبل بين حيطانه، مراهقون متمردون غير قابلي الترويض، وأساتذة فقدوا الجدوى، صار وجودهم رهين منصب رأسمالي اضمحل فضله وطائله.

الممثل والموسيقي البريطاني آشلي والترز في مشهد من مسلسل «Adolescence»

ما يفعله المسلسل هنا اجترار قبح وشراسة عالم الصّغار الذي أهمِل لمدة طويلة، فتعفّن، الكبار فيه الآن عاجزون، غير قادرين على مطاولة رمزيات افتراضية يؤمن بها المراهقون، حدَّ أن محققًا يعجز عن تفكيك أحجية بسيطة، بلغة رقمية جديدة، لمراهقة تنمرت على آخر، فقتلها. عندما يخبر آدم أباه باسكومب بمكنونة الأمر، أن منشور كيتي كان استعارات المانوسفير (حركة حقوق الرجال)، جيمي سيظل عازبًا قسرًا للأبد، لأنه منوط قاعدة الـ80 إلى 20، التي تقول إن 80% من النساء ينجذبن لـ20% من الرجال، على الرجال هنا أن يكونوا ماهرين في الخداع لاجتذاب النساء لأن فرصهم قليلة والمنافسة شرسة ومحتدمة.

تُنصّ هاته القواعد من أشخاص كأندرو تيت على التيكتوك وغيرها من وسائل التواصل، تتبدّى لمراهق ضائع حبيس وحدته، يُشاهد أقرانًا غيره امتلكوا الأفضلية لاجتذاب الفتيات وانتزاع إعجابهن، كشيء منطقي يؤطّر أزمته، ويمنحه إجابات جاهزة قادرة على استيعاب وَحشَتِه.

بلغت شهرة أندرو تيت ذروتها عام 2022، بمقاطع فيديو قصيرة حول القوة الذكورية والسيطرة والمال، يبدي أندرو تيت تقزّزًا بالغًا تجاه النساء حدّ أنه يفصح بكونه لم يعد قادرًا على الاستمتاع بالجنس معهن. اتُّهم بالاتجار بالبشر والاستغلال الجنسي، وأقر علنًا في مقاطع فيديو أنه استغل فتيات وعدهن بالحب والزواج لجعلهن يكسبن المال لصالحه.

يحضر أندرو تيت كنموذج للتمكّن والنجاح الرأسمالي، بطل سابق في الكيك بوكسينج ورجل أعمال ثري، لذلك يبدو مؤهلًا لتنظير المراهقين وإرشادهم. مرة أخرى، يُستعاد تفسير أليس كابيل هنا، نموذج ناجح قادم لإعطاء مشورة تنمية ذاتية، حصان طروادة تم صياغة كاتالوج رجولة مروّع بعده، امتصاص قواعده وابتلاع إقراراته الراديكالية في اتجاره بالنساء، كحبوب ملوّنة، وطبقية حيوانية تمنح المراهقين إجابات تُمنطِق مأساتهم.

«سمع أفكار لوَّثت عقله عبر الإنترنت، بدت منطقية، لسد تساؤلاته حول وحدته وعزلته، وذلك قاده لاتخاذ خيارات سيئة جدًا».

— ستيفن غراهام

يبدو أندرو تيت وغيره كـFather Figures لهؤلاء المراهقين، أشخاصًا امتلكوا قبس الهداية، يطلّون بتعاليمهم المتطرفة - التي تهدف في الكثير من الأحيان لاجتذاب الأضواء والشهرة والتحقق في البيئة الرأسمالية - لملء فراغات الأبوة والأمومة، التي خلقتها وللمفارقة، الرأسمالية نفسها… لا يتصور المراهق تفسيرًا للأمر غير قواعد المانوسفير والحبوب التي تمنحه الخلاص، الفكاك من أزمة وجودية بامتصاص أول تفسير يسد فجوتها.

آشلي والترز وأماري باخوس في مشهد من مسلسل «Adolescence»

يُدرك باسكومب أن جيمي كان المبادر فحسب، بينما مؤسسة كاملة مكتظة بمراهقين يشبهونه، يقفون على الحافة، بدفعة بسيطة يمكن تحويلهم لقتلة. يرى ابنه آدم، مراهق يشبه جيمي، بانفلات بسيط في الأحداث كان سيكون آدم محلّ جيمي من الحكاية، مراهق قَتل في لحظة اندفاع. لذلك يستحضر غريزته الأبوية ويتخفف للحظات من بذلته كمحقّق، في نزهة لأب محبّ يمكنه إصلاح منظور ابنه للعالم.

تتبع الكاميرا هذا المشهد الأبوي، ثم مراهقون عادوا لعالمهم الافتراضي، غارقون في هواتفهم، لتحلق بعدها نحو مكان الجريمة، بين بؤرة الخلق التي أنتجت جيمي وآخرين غيره قابلين لاقتراف ما فعل، وبؤرة المأساة حيث قُتِلت مراهقة بتعاليم مروعة. كل ذلك في مشهد مطوّل واحد، فيما سيصفه ثورن كاتب المسلسل: «مثال لالتقاء الجانب التقني والقصة».

مشهد من مسلسل «Adolescence»

مراهق يشبهنا

«ما يبدع فيه جاك ثورن، قُدرته على أن يكون وحشيّا وإنسانيًا في الآن نفسه»

— الممثلة إرين دوهرتي (بريوني أريستون)

نحن الآن بعد أشهر من الحادثة، تزور اختصاصية علم النفس بريوني أريستون المراهق جيمي لتقييم حالته، لا زال جاك ثورن يؤسس للمراهق ذاته، طفل يشبه المراهقين كافة، يحب الشوكولاتة الساخنة بالمارشميلو.

لا يأتي اختيار ثورن هنا في أن يكون زائر جيمي امرأة اعتباطيًا، إنما لأجل مَبلغ الحكاية ذاته، مراهق محاط بقواعد رجولية يرى من موقعها العالم، يرى الخداع صفة لصيقة بالنساء، لذلك يتوجس المكر والحيلة في حديث بريوني ويتحول كل حوار معها لطفل يراوغ فخاخًا متعددة نصبتها له امرأة.

تصير الجلسة محاولات أبدية لجيمي كضابط لإيقاع الحديث، يسألها «?I'm in charge now, am I» لأن الأمر يهمه هنا، لا يسمح تعريفه للرجال أن تنظر له امرأة من علي في محادثة، لذلك كلما انفلت منه دور المسيطر في مجرى الحديث، انفعل وغضب، كإقرار لصفة رجولية أخرى، الغضب والعنف.

إيرين دوهيرتي وأوين كوبر في مشهد من مسلسل «Adolescence»

تسأل بريوني حول أبيه وجدّه، الأمثلة الرجولية التي يُفترض أنها شكّلت فهمه للرجولة، يخبرها أن أباه يغضب أحيانًا، لكنه أمر طبيعي. يملك الأب نسخة يتمناها من جيمي، نسخة رياضية، أكثر قوة وبأسًا، لذلك يشيح بنظره حين يفشل ابنه في مطاولتها.

يعيش جيمي حياته كمراهق عاجز، يلاحق صيَغ الرجولة والنسخ التي اصطنعها غيره وأرادوه أن يكون على شاكلتها.

لا يملك والد جيمي صفات الأب المتعسف، لربما يمرّر لابنه إحساسًا بالنقص والعجز في محاولات مطاولة توقعاته حوله، لكنه يحب أمه ويعاملها بودّ، لا يرث جيمي إذن صفة العنف تجاه النساء من أبيه، تدرك بريوني ذلك. تسأله عن تجاربه مع الفتيات، فيجيبها باصطناع قصص إيروتيكية يعلم يقينًا أنه لم يختبرها، ثم يعترف بذلك، أن الأمر كله كان صورًا لفتاتين عاريتين انتشرت على نطاق واسع في مدرسته، إحداهما كانت كيتي، الفتاة التي قتلها.

ما يعرفه جيمي حول النساء نماذج لفتيان آخرين غيره قادرين على اجتذابهن، يمررون له آراءًا وصيغًا موّحدة، يفكر جيمي أنه بمواساة كيتي في لحظة ضعفها بعد انتشار الصور سيكون قادرًا على النيل من قاعدة الـ80 و20، استغلال هشاشتها لكسب إعجابها، يُفاجأ حين تفشل الصيغة، وتجيبه الفتاة بالرفض.

إيرين دوهيرتي وأوين كوبر في مشهد آخر من مسلسل «Adolescence»

يمثل جيمي نموذج المراهق المذعور، الذي تشكّل الأنثى في عالمه معيار قبوله وتحققه، لذلك يعيش في قلق وقلة ثقة دائمتين، أنه قبيح الشكل و مكلّل بعار معايير ضخمة لا يحوز فيها موقعًا يؤهله لنيل الإعجاب والهيمنة.

كتبت كيتي تعليقًا لجيمي حول كونه أعزب قسريًا (incel) وأُعجب الكثيرون بتعليقها، لذلك كان لا بدّ من منظور رجولي سام أن يقف المراهق ويستعيد هيمنته وكبرياءه.

يفصح جيمي عن ذلك، ثم يقضم قضمة من شطيرة بريوني، يبدو الفعل في حدّ ذاته لا مبالاة مزعجة، وغطرسة مسخية من مراهق اقترف فعل القتل، لذلك تتحول في لحظات من محللة نفسية لشخص منزعج قاس، أخذت كفايتها من جيمي، تخبره أنها جلستهم الأخيرة، يجيبها بغضب أنه معجب بها، ثم في لحظاته الأخيرة رفقتها يريد أن ينتزع منها اعترافًا برأيها فيه، يتحوّل القاتل المتغطرس هنا لمراهق يشبهنا، طفل جائع للقبول (Validation)، لم يأخذ كفايته من أبيه الذي اصطنع نسخة فانتازية منه وكلّله بعارها، ولا توجيها كافيًا ليبتلع إهانة فتاة على الإنترنت.

ترتعد بريوني من الفكرة، مراهق يشبه أقرانه، بهشاشتهم وولعهم بالإعجاب والقبول، تحوّل لقاتل متوحش بارد طعن فتاة في عمره سبع طعنات، والكل كان متواطئًا في فعلته.

عائلة تشبهنا

منذ اللحظة الأولى، أدرك غراهام أن عائلة حكايته لن تكون عائلة متعسّفة أو قاسية، لن تكون وسطًا ملائمًا ليطلق لجام قاتل بسهولة، تلك حكاية تثير الاعتزال؛ يشاهدها الناس ويفكرون أنهم لا يشبهونها وبالتالي يصعب اجتلابها لعالمهم والتفكير أنها ستحدث لهم، ما أراده غراهام وثورن أن يجلس أب جيد وأم ودودة على كنبتهم ويرتعدوا من الفكرة، أن أطفالهم في غرفتهم المؤصد بابها يتحولون لمسوخ قادرة على اقتراف أشياء مروعة.

تتبّع الحلقة الرابعة هاته المشهدية، أب محبّ بسيط يكترث لأمر عائلته، وأمّ طيبة تهتم بزوجها وأطفالها. يبدو الحب جليًّا في حضور أخته المتزنة، عائلة يصعب التفكير بإمكانية تسلّل الشيطان لبيتها.

يُحَمَّلُ الأب عبء خطيئة ابنه، لا يجيد المجتمع خلق المبررات، إنما التسابق للإدانة، لا يمكن لرجل أن يسلم من نظرات الانتقاد والتطفل وهو أب لقاتل، تُسحَب تهم التقصير واللؤم قسرًا إليه، ولربما الاعتداء والاغتصاب نفسه.

يصنع ثورن شريطًا مطوّلًا من تراجيديا أب يحاكم نفسه، لم يكن أبًا سيئًا، يفكّر أنه ما من شيء كان يمكنه فعله، أطفال يومنا هذا حبيسوا عوالمهم المختزلة في غرفة، لا يستطيع الأب فرض رقابة على المعروض لابنه و فَلتَرَتِه، هناك عبء رأسمالي ضخم على أكتافه يحتّم عليه إعالة أسرته، كان يتعيّن عليه أن يغادر في السادسة ولا يعود قبل الثامنة، دون حيّز زماني ليراقب ابنه وهو يتحول لمجرم.

كريستين تريماركو وستيفن جراهام في مشهد من مسلسل «Adolescence»

يستدعي ثورن هنا استعارة اصطحاب الأب لابنه للعب كرة القدم، لأنه كان يؤمن أنها ستقوّيه، جيمي كان سيئًا في اللعب، لذلك يُطرد كحارس مرمى بينما يسخر منه الجميع، كان الأب واقفًا على الخط يشيح بنظره بينما الابن يستنجد به لإنقاذه، تبدو هاته الاستعارة معادلة لمأساة أب في الزمن المعاصر، حيث المراهق وحيد تائه أمام عالم عجول قادم لابتلاعه كطوفان، مراهقون لا يملكون أدوات استيعابه بعد، تلك نظرة استنجاد حزينة، إن أشاح الأب عن دوره كمرشد للتعرف على العالم بشكل أكثر رويّة وحكمة، كان ذلك أشبه بخذلان غير واعٍ.

أحبّ ابنه فعلًا، واهتم لأمره، لبّى كل احتياجاته وأنفق لأجله، لكن المراهق كان يحتاج شيئًا مغايرًا، مرشد مهتم يمرر له حكمته، يمنحه القبول وينتشله من وحدته واغترابه.

ستيفن جراهام في مشهد من مسلسل «Adolescence»

يقف الأب باكيًا في غرفة ابنه المجهزة بكل ما أراده، يدرك أن المكان الذي كان ينمّيه لينوب عنه كمسلّ لابنه هو نفسه من أخرجه للعالم كقاتل، في ختامية تراجيدية يعانق الأب دمية دبّ، مصداق طفولة جيمي، الطفل الذي كان يمكن أن يكونه لو اختفت تلك المسببات التي جعلت من مراهق مجرمًا قادرًا على القتل.

يعتذر بِنَدم أبوي: «آسف يا بُنيّ».

نحو دالّة جديدة

يكرر جيمي على مدار المسلسل أنه «لم يفعلها»، يصنع ثورن وغراهام حكاية يبدو هذا الإنكار فيها منطقيًا بالفعل، لا يُدان فيها أحد، مراهق يشبهنا في وحدته وهشاشته، قرأ أشياء بدت له منطقية لتأطير أزمته، وعائلة تشبهنا في عاديتها وبساطتها، يُدان في المسلسل الدّافع نفسه، المسببات التي تراكمت واصطنعت طفلا قاتلًا، مشهدية قرأها غراهام في طرفين مختلفين من البلاد، كأنها حدث اعتيادي تُجاوَزَ عنه.

تبدأ كابيل كتابها بأننا معرّضون للهلاك (we're doomed)، وتنهيه بافتتان خفيّ نحو مستقبل ننجو فيه، عن عالم ممكن تحقيقه لا يُحكم بالخيال فحسب لأجل أن لا يصير معجزة بعيدة المنال، تُعادل كابيل كفاح البشر هنا بقصة نيمو في رواية «عشرون ألف فرسخ تحت الماء». نيمو رجل هندي قُتلت عائلته من طرف الاحتلال البريطاني، يستولي نيمو على تكنولوجيا الاستعمار ويحسّنها لإنشاء مجتمع فاضل تحت الماء. «بعبارة أخرى أصبح النموذج الأولي للمخلّص التكنولوجي، بتحويل تكونولوجيا المضطهدين لقوة ضدهم وإعادة توظيفها لصالح مجتمع أفضل». تخبرنا كابيل أن نستمدّ الإلهام من نيمو، لا يوجد مخلّص واحد في حكايات الواقع، إنما بنية جماعية، تحمل مسؤولية إرشاد المراهقين نحو رؤية أوضح لتعقيدات العالم، وإن اقتضى الأمر أن نكون نيمو، باستخدام وسائل التواصل كرد فعل تجاه التعاليم الراديكالية للمانوسفير، التي تُتفّه العلاقات وتبسّطها في صيغ ساذجة تصنع الكراهية وتوسّع الفجوة بين الأفراد.

# مسلسلات أجنبية # Adolescence # نتفليكس

أفضل 15 مسلسل أجنبي في 2024
دراما المعطف الأبيض: أفضل 7 مسلسلات طبية أمريكية

فن